الخميس 4 مارس 2010

الشاعر الامريكي كارل ساندبورغ
إصنعوا لي سلاسل لأعناق أطفال يرقصون!
بقلم: حسونة المصباحي
في مقال له نشر في الثلاثينات من القرن الماضي نعت خورخي لويس بورخيس كارل ساندبورغ (1878 ـ 1967 ) بأنه قد يكون «أعظم شاعر في امريكا الشمالية»، و«أفضل خليفة» للشاعر الامريكي الكبير الاخر والت ويتمن (1819 ـ 1892).
وينتسب كارل ساندبورغ المولود يوم 6 جانفي 1878 الى عائلة فقيرة هاجرت من السويد الى الولايات المتحدة الامريكية وكان والده حدادا في سكة الحديد بشيكاغو ومبكرا خاض ساندبورغ معارك طاحنة من أجل كسب قوته. وقد عمل مساعدا لاحد الحلاقين ثم عاملا في أحد المسارح ونجارا، وغاسل صحون في فنادق «كانراس سيتي»، و«اوماها»،و«دنفر»، ثم مزارعا وعندما تدركه البطالة كان يهيم على وجهه في المدن الكبيرة بحثا عن العمل ومنذ عام 1898 انتسب الى الجيش وقاتل ضد الاسبان في «بورتوريكو» وفي ما بعد سيكتب قصائد مرة عن تجربته العسكرية المريرة وخلال السنوات التي امضاها في الجيش تعلم كارل ساندبورغ القراءة والكتابة وعندما عاد الى الحياة المدنيّة شرع في الكتابة وان ذلك في بداية القرن الماضي وقد استقبل النقاد نصوصه الشعرية والنثرية الاولى بنوع من الفتور غير انهم لمسوا فيها شيئا من الموهبة. وعند بلوغه سن الخامسة والثلاثين نشر قصيدة حملت عنوان:«شيكاغو» فاستقبلها النقاد والقراء بابتهاج كبير وبدأ الناس يرددون قصائده في كل مكان. ولأنّه تجنب الوزن فإن بعض النقاد المحافظين هاجموه بشدة لكنه لم يعبأ بذلك وظل يكتب الشعر بحرية مطلقة مقتديا بمعلمه الكبير والت ويتمن وفي عام 1918 زار النرويج والسويد بحثا عن آثار أجداده ومن وحي زيارته تلك كتب مجموعة شعرية سماها «دخان وفولاذ» وقد اهداها الى العقيد «ادوارد شتايشن» قائلا: «الى العقيد ادوارد شتايشن رسام الليالي والوجوه وحضّار الانعكاسات واللحظات منصتا، الى رياح المساء الزرقاء والى الازهار الصفراء التي تفتحت للتو، الحالم والمكتشف،فارس الصباحات الكبيرة في الحدائق والاودية والمعارك» ومثل ويتمان طاف كارل ساندبورغ في كل المدن الامريكية وكان يقرأ اشعاره بحرارة منشدا أغان قديمة ويقول بورخيس: «كانت قصائد ساندبورغ مكتوبة بلغة تشبه صوته وطريقته في الكلام وهو يستعمل اللغة اليومية وكلمات لا توجد في اي قاموس من قواميس اللغة الانقليزية» ويضيف بورخيس قائلا:«في قصائد كارل ساندبورغ هناك حزن متعب حزن الغروب في السهول، والأنهار المليئة بالطمي والذكريات الدقيقة غير المجدية حزن رجل يحس في الليل كما في النهار بما يتلفه الزمن وقد احتفى ويلت ويتمن في نيويورك ذات الابنية بثلاثة أو أربعة طوابق بالمدن المتسامقة التي تنطلق باتجاه المساء أما ساندبورغ في «شيكاغو» المدوخة فقد انشغل بحدس الأزمنة التي لا تزال بعيدة حيث الوحدة والفئران والسهل يقتسمون خرائب المدينة».
في اشهر قصائد كارل ساندبورغ قصيدة:«الشوارع القديمة جدا»، وفيها يقول:
كنت أمشي عبر شوارع مدينة قديمة وكانت الشوارع هزيلة مثل حنجرة أسماك متصلّبة مغموسة في الملح ومحتفظ بها في البراميل لسنوات طويلة.
«كم نحن قديمات، قديمات، قديمات جدا» كانت حيطان الشوارع تردّد وكانت الشوارع التي تخفي على بعضها البعض مثل العجائز، ومثل المولدات المتعبات واللائي لا يفعلن غير ما يتوجّب فعله.
ان أجمل ما تهبني المدينة أنا الغريب كان تماثيل الملوك، عند ملتقى برونز الملوك ـ ملوك قدامى ملتحون يؤلفون كتبا ويتحدثون عن حب الله لكل الشعوب وملوك شبان كانوا يقودون جيوشا وراء الحدود لكي يشجوا رؤوس أعدائهم ويوسّعوا مساحات ممالكهم.
ان أغرب شيء بالنسبة لي انا الغريب في المدينة القديمة كانت همهمة الرياح المنبثقة من إبط واصابع ملوك البرونز: ليس هناك توقف? وهل سيتواصل ذلك الى ما لانهاية?
في طلقة ثلج جاءت قبل أوانها صاح أحدهم:«انزلوني هناك حيث لا يمكن للمولدات العجائز المتعبات ان ينظرن إليّ القوا ببروتري في نار غاضبة واصنعوا لي سلاسل لاعناق أطفال يرقصون».

 




البريد الإلكتروني : contact@essahafa.info.tn