الاحد 29 أوت 2010

رواية «عراقي في باريس» لصموئيل شمعون
بلاغة الحياة...بلاغة الأدب
«ها انا وصلت قبلك الى امريكا» اهتفت امي ضاحكة ما ان رأتني انزل من سيارة خالي.كان ذلك في يناير (كانون الثاني) عام 2004 ،وكنت قد سافرت الى موديستو في كاليفورنيا للقائها.كانت امي قادمة من بغداد في اول زيارة لها لشقيقتها المقيمة في امريكا.
«لقد قتلتنا بهوليوود!،انها على مرمى حجر من هنا.هل تعرف كيف تقود سيارة؟ خذ احدى سيارات خالك واذهب الى هناك».
حين اقتربت منها، لاحظت انها قد اصبحت كبيرة في السن فعلا.
«اه يا ولدي شموئيل» صرخت وهي تحتضنني باكية.وفجأة اخذت تحدق فيّ والدموع تغطي وجهها«ماذا حدث لأنفك ، انه مازال يكبر؟» وبدأت تضحك بعمق.فأخذت اضحك ايضا، ثم قبلت رأسها وقلت لها وانا اشير الى قدميها«انظري الى جواربك يا امي، انها مليئة بالثقوب، وهي على هذه الحال منذ ان كنت صغيرا»وضحكنا.
«أين كنت طيلة هذه السنين يا ولدي»؟
قبل ان اتفوه بأي كلمة ، اضافت امي «هل تعرف يا شموئيل، بعد لحظات قليلة من تسميتك، شعرت بحزن شديد وقلت لنفسي اننا ، بهذا الاسم الثقيل ،نضع الكثير على كتفي هذا الطفل»!
على هذا النحو تبدأ رواية صموئيل شمعون «عراقي في باريس» الصادرة عن دار الجمل بألمانيا، في طبعتها الثانية 2006، بعد عام من صدور طبعتها الاولى والتي نفذت سريعا.
رواية مختلفة عن كمّ روايات السيرة الذاتية الرائجة في الادب العربي، لأن الادب في هذه الرواية لا ينفصل او يعلو على الحياة، انه يتخللها ويجعلها كما هي جميلة، مربكة ، عنيفة، معطاء، بنفس القدر الذي تدفعك به الى فخاخها الالف، تفتح امامك ابواب الفرج وحدائقها الالف ايضا.
كيف يمكن حقا اختزال وتقديم هذه الرواية التي وقع الاحتفاء بها كثيرا في فرنسا وفي اوساط القراء الانقليز، ولدى القراء العرب ايضا؟
لا يوجد حقد،في هذه الرواية، توجد حياة، كما يجدر بالادب ان يفعل:
«فوجئ تلاميذ الصف بوجود تلميذ مسيحي بينهم، ويحمل اسما غريبا جدا لا ادري ان كان ثمة مسيحي قد سكن مدينة الرمادي من قبل ،قدمني المعلم بنبل قائلا «شموئيل» زميلكم الجديد، من عائلة اشورية، من ابناء بلدنا العريق».وأذكر انه تحدث عن عظمة العراق، تنوع شعبه واختلافاته الدينية والقومية،ووحدة العراق التي لا يمكن قهرها»...ص 301
نحن في صيف العام 1968، «بعد ثلاث اشهر من الانقلاب، قام بعض المسؤولين العسكريين بزيارة اهالي الحبانية ليبلغوهم ان حكومة الثورة قررت اخلاء الحبانية من السكان المدنيين لتصبح قاعدة عسكرية فقط». ص299
تشمل اوامر الطرد العائلات الاشورية والكردية، والتركمانية ومن كان يطلق عليهم من اصل فارسي فقط.«يا الله، الى اين سنذهب؟ الى اين سنذهب يا الله»؟ ظلت معظم نساء الحبانية يولولن وينتحبن ويلطمن على خدودهن....» ص 299
«لحسن الحظ اننا لم نكن نملك اي نوع من الاثاث.قمنا بوضع افرشتنا القليلة وثيابنا في عربة خشبية صغيرة، رحنا ندفعها انا وابي وتيدي، فيما كانت امي تحمل الاطفال، في ذلك الغروب، جلسنا عند مفترق الطريق العام القريب من سلسلة الجبال المشرفة على الحبانية: كان الطريق يؤدي الى الفلوجة وبغداد من جهة اليسار والى الخالدية والرمادية من الجهة الاخرى.
فرشت امي بطانية على الارض ووزعت علينا بعض الخبز والطماطم والخيار.كنا نلتهم طعامنا وكأننا في رحلة «بيكنيك». ص 300
في المدرسة يتعرض صموئيل لعنف ابناء العشائر،تقترح عليه سكينة زوجة نصرت شاه ذي الاصول الايرانية ، ان يسلك الطريق الذي يخترق المقبرة ليصل سريعا الى وسط المدينة ومن ثمة الى المدرسة كما تقترح عليه ان ينقل على الاوراق وان يتلو آية الكرسي من المقبرة حتى لا يصاب بأي مكروه.
كرر الطفل صموئيل الامر عدات مرات وذات مرة يعجب بشاهدة قبر (يا قارئ كتابي، ابك على شبابي، بالأمس كنت حيّا واليوم تحت التراب). يجلس حزينا ويتملكه الخوف حين يرى عصابة ابناء العشائر ، الذين كانوا يعنفونه دوما، مقبلة نحوه. الميت الذي كان يقف امام قبره صموئيل هو شقيق محمد، زعيم العصابة وابتداء من تلك اللحظة يتخلص من عنف ابناء العشائر.
هذه الواقعة قد تحدث للكثيرين (الشدة والفرج كما يقول القدامى) ،وهي ما يجعل الحياة جديرة بأن تعاش، دون حقد.وفي الرواية الكثير من هذه الوقائع.
ولد صموئيل شمعون في العام 1956 في ناحية «الحبانية» وهي قرية توجد بها قاعدة عسكرية انقليزية ويعيش بها تركمان واشوريون واكراد وشيعة وسنة..احيانا كانوا يتبادلون صلواتهم، ما بينهم.يغادر صموئيل العراق في العام 1979 ويعمل مع المقاومة الفلسطينية في بيروت، ثم يتنقل بين عمان ودمشق قبرص والقاهرة واليمن وتونس الى ان يستقر لاجئا في باريس في جانفي 1985، وفي 1996 يقيم في لندن ويؤسس في العام 1998 مع زوجته مارغريت اوبانك مجلة «بانيبال» التي تعنى بترجمة الادب العربي الى الانقليزية، كما ينشئ جريدة «كيكا» الالكترونية، المعروفة جدا لدى محبي الادب.
«كيكا» هو اسم والده الفران الاشوري الاصم والابكم والذي كان صموئيل يحلم بكتابة سيناريو فيلم عنه، رشح روبرت دي نيرو للقيام بدوره، بعد ان يصبح صموئيل سينمائيا.ويملأ كيكا، فضاء الرواية، بحضوره العظيم، تماما مثل الشخوص الغجرية في افلام امير كوستاريكا.
كما تمتلئ الرواية بشغف صموئيل الجميل بالسينما وبأقدار بشر كثيرين..من لحم ودم، وعلى الادب العربي ان ينتظر طويلا حتى تكتب رواية اخرى، مثل رواية «عراقي في باريس» ،بمثل هذا الدفق والصدق..والمهارة، المستلفة من الحياة، حين ننفتح عليها دون ضغينة او تخطيط مسبق لما نريده منها فالحياة جديرة حقا ان تعاش..والادب ايضا جميل وعظيم!

كمال الهلالي





البريد الإلكتروني : contact@essahafa.info.tn