الخميس 25 جوان 2009

صحري وبحري
في الإبداع الشعري والمعنى الأصلي للشعر
د.محمود عبد المولى
(1)
يقول «شارل بودلير» في شرح الابداع الشعري ما تعريبه «جمدت امام هول اللافائدة من شرح اي شيء لأي كان. ان من يعرف يستشفّني ومن لا يستطيع او لا يريد ان يفهم، لن يفهم، لن يفهم، وان كدّست له الشروحات».
(2)
أما فيما تعلّق بالمعنى الاصلي للشعر، فان بنجامين بيريه (1) قد لاحظ، بعد البحث المعمّق ما يلي:
«اذا بحثنا عن المعنى الاصلي للشعر الذي تخفيه اليوم بهارج المجتمع التي لا تعدّ نلاحظ انه النفس الحقيقي للانسان. انه منبع كلّ معرفة، بل انه هذه المعرفة نفسها في مظهرها الانقى. ففي الشعر تتكثف كل الحياة الروحية للانسانية. انه ارض خصبة ابدا، تحفظ الى الأبد ذخرا من البلور الشفّاف،وحصاد الغد. ألوهيّة وصيّة ذات ألف وجه، يسمّى الحبّ هنا، والحريّة هناك، والعلم هنالك. الشعر يظلّ كلّي القدرة انه يغلي غليانا في رواية الاسكيمو الاسطورية يتفجّر في رسالة حبّ يرشّ برشاشه فصيلة تنفيذ الاعدام التي ترمي بالرصاص العامل عند لفظه النفس الأخير للثورة الاجتماعية، نفس الحرية تتألق شرارته في اكتشاف العالم، تخور قواه وقد نزف دمه حتى في أغبى ما ينتج باسمه» (2).
(3)
وكتب أوكتافيو باز (o.Paz)، المكسيكي الاصل الذي نشر بعض قناعاته النقدية والجمالية في عمله الشهير «التيار المتناوب»:
(أ)
«أن نقرأ قصيدة ما، هو ان نسمعها بأعيننا، ان نسمعها هو ان نراها «باذاننا».
(ب)
«عندما نقرأ قصيدة ما او نستمع الى احدى القصائد، اننا لا نشمّ، لا نتذوّق او نلمس الكلمات. وليست هذه الأحاسيس كلها الا صورا ذهنية».
(ج)
«لكي نعيش تجربة قصيدة ما، ينبغي ان نفهمها، ولكي نفهمها ينبغي ان نسمعها، ان نراها، ان نتأملها ـ ان نحولها الى صدى، ظلّ، عدم. الفهم تمرين روحي. كل قارىء شاعر آخر، كل قصيدة قصيدة اخرى».
(د)
«الشاعر الزّائف يتكلّم عن نفسه، كلّ مرّة تقريبا، باسم الآخرين. الشاعر الحقيقيّ يتكلم مع الآخرين حينما يتحدّث الى نفسه».
(هـ)
«ان القصيدة، سواء كانت مغلقة او مفتوحة، تطالب بزوال الشاعر الذي يكتبها وبميلاد الشاعر الذي يقرأها».
(و)
«الشعر نضال مستمرّ ضدّ المعنى. موقفان متطرفان: الأول هو ان القصيدة تشمل كلّ المعاني، انها معنى كل المعاني والثاني وهو أن القصيدة تنكر اي نمط من المعاني. في العصر الحديث، يمثل «ما لارميه» المحاولة لكتابة الموقف الاول ازاء القصيدة. اما «دادا» فهي تمثل الموقف الثاني. لغة ما وراء لغة (الاول) او تدمير اللغة بوسائل اللغة (الثاني)».
(ز)
«لقد فشلت «دادا» لأنها اعتقدت بأن هزيمة اللّغة ستكون بفوز الشاعر. «السوريالية» صرحت بالسيطرة المتفوقة للغة على الشاعر. انه على عاتق الشعراء الشبان ان يزيلوا التمايز بين المبدع والقارىء، ان يكتشفوا نقطة اللقاء بين المتكلم والمستمع. هذه الغاية هي صميم اللغة (الشعرية)».
(ح)
«ما من أحد شاعر الا اذا تحسس اغراء تدمير اللغة أو خلق اخرى ،الا اذا جرّب افتتان اللا معنى وافتتان المعنى الذي يستحيل التعبير عنه، ذلك الافتتان الذي هو ليس اقل رعبا».
(ط)
«بين الصرخة والصمت، بين المعنى الذي هو كلّ المعاني وغياب المعنى، تنهض القصيدة (الشعرية)».
(ي)
«ينبغي على القصيدة ان تستفزّ القارىء، ان تجبره على السماع، سماع نفسه».
ــــــــــــ الهوامش:
1 ـ أحد أهم شعراء وممثلي السريالية الفرنسيين (1899 ـ 1959)
2 ـ ب ـ بيريه «فضائح الشعراء» (بالفرنسية) مكسيكو 1945.

 


البريد الإلكتروني : contact@essahafa.info.tn