الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



الجسر

معجم السرديات


بقلم : محمد آيت ميهوب
صدر في المدة الأخيرة عن دار محمد علي الحامي معجم مختصّ في المصطلحات السردية يبلغ ما يقارب الستمائة صفحة من الحجم الكبير، أنجزه فريق «وحدة الدراسات السردية» في كلية الآداب والفنون والإنسانيات بجامعة منوبة بإشراف الأستاذ محمد القاضي. وقد امتد العمل على تأليف هذا المعجم ما لا يقلّ عن سبع سنوات (2002ـ2009) بين بحث وتحقيق في المصطلحات والمفاهيم، وتأليف للمداخل التعريفية وهي تفوق ثلاثمائة مدخل، ومراجعات جماعية للمداخل ونقاش بين أعضاء الفريق حولها مدخلا ومدخلا ثم إعادة تأليف ثانية لتلك المداخل وفق الملاحظات المسجلة فمراجعة أخرى ومراجعة جديدة...عمل مضن ومجهود جبار امتزج فيهما العمل الفردي بالعمل الجماعي فكان المعجم أنموذجا دالا لما يمكن أن يثمر البحث الأكاديمي ذو الصبغة الجماعية من حصاد علمي نافع يتجاوز الفرد إلى المجموعة والجامعة التونسية إلى غيرها من الجامعات العربية.
فالمتأمل في حال الدراسات السردية العربية يستقرّ لديه أنّ هذا المعجم وإن تأخر صدوره بعض الحين، فقد جاء في الوقت المناسب، المناسب جدا. فبقدر ما ازدهرت الدراسات السردية عندنا وتطورت ابتداء من ثمانينيات القرن العشرين، لاسيما في تونس والمغرب، بقدر ما أضحت تشهد «لخبطة» اصطلاحية رهيبة توقع الطالب والباحث في البلبلة وتؤدي إلى تشتيت الجهود وتجعل المفهوم العلمي الواحد يسمّى أسماء كثرا حتى داخل البلد الواحد بل في الجامعة الواحدة. وتكون النتيجة الأخطر لهذا كله تحول المفاهيم التي هي في الأصل أدوات تيسّر البحث، إلى ألغاز وأحجيات. ذلك أنّ العلاقة جدلية بين وضوح المصطلح ووضوح المفهوم. فلا يمكن الظفر بالمصطلح المناسب إذا كان المفهوم نفسه غامضا غائما في ذهن الباحث، وبالمثل لا يمكن أن تكون المفاهيم النظرية واضحة جلية في الذهن ما دامت المصطلحات المستعملة في الدلالة عليها ملتبسة قلقة لا إجماع حولها، فلا تعرف استقرارا و لا يغدو لها ما ينبغي أن يغدو لها من سلطة، هي في نهاية الأمر سلطة التسمية.
وما يزيد هذه المسألة تعقيدا أننا إلى اليوم مازلنا نأخذ عن الغرب مصطلحاتنا ومفاهيمنا في الدراسات السردية. فيكون لاختلاف المرجعيات بين المدرسة الفرنسية والمدرسة الانقليزية والمدرسة الكندية تأثير بالغ  في اختلاف استعمالاتنا المصطلحية. فكلمة récit  مثلا يعبر عنها في تونس بالسرد أما في المغرب فيستعملون مصطلح الحكي مقابلا لها، وعبارة poétique نترجمها في تونس بإنشائية ويترجمها المغاربة بالشعرية و autobiographie يترجمها فريق منا بالترجمة الذاتية وفريق آخر يستعمل السيرة الذاتية مقابلا لها، وmise en abyme ينقلها قسم من الدارسين مستعملا مصطلح التغوير فيما يستعمل قسم آخر منهم مصطلح السرد الانعكاسي وقسم ثالث يترجمها بالسرد المقعر...
لذلك جاء هذا المعجم ليلبي حاجة قصوى إلى توحيد المصطلحات السردية داخل الجامعة التونسية أولا وبين الجامعة التونسية وزميلاتها في العالم العربي ثانيا. وليس الوصول إلى هذه الغاية بالأمر القليل. فإنه سيثمر لو تمّ، وضوحا في المفاهيم وتطويرا في أدوات التحليل السردي ونضجا للمكتسبات المعرفية وتراكما تواصليا للمعارف قد يؤدي يوما ما إلى التراكم الكيفي، فتغدو لدينا نظرية سردية عربية ينطلق فيها منظرونا مما يكتب مبدعونا من روايات وأقاصيص.
وممّا يحسب في هذا الشأن لـ «معجم السرديات» أنّ أصحابه قد سعوا إلى أن لا يكون مجرد ترجمة للمصطلحات السردية الغربية وتعريف بالمفاهيم التي بلورتها مناهج التحليل السردي الأوروبية، وإن كان في الاقتصار على ذلك وحده الخير العميم. بيد أنّ مؤلفي المعجم قد وضعوا مقالات مطولة تعرّف بمصطلحات ومفاهيم من صلب السردية العربية القديمة كالخبر والمقامة والنادرة والرسالة و المحاورة والسيرة...ولم تكن المقالات الموضوعة تعريفا بالمفاهيم الغربية نقلا محايدا لها، بل نجدها تتضمن حوارا ونقاشا مع علماء السرد الغربيين وتعديلا لبعض آرائهم انطلاقا من خصوصيات النصوص السردية العربية. ومن هذه الزاوية يمكن أن يقرأ المعجم أيضا على أنه كتاب نقدي يقيّم منجز الدراسات السردية الغربية.
تبقى المسألة الأهم بعد كل هذا هي : كيف يصل المعجم إلى أيدي طلبتنا؟ فثمنه مرتفع بعض الشيء لا يقوى عليه الطالب العادي. لذلك فما من سبيل إلاّ أن تقتني منه الجامعات والكليات اعدادا ضخمة تضعها في المكتبات ويكون وصول الطالب إليها سهلا ميسرا. ففي الدراسات السردية والأدبية عامة وكما في كلّ الأعمال، لا يمكننا أن ننجز عملا متقنا إن لم تتوفر أدوات العمل، وهذا المعجم هو أداة عمل.