الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة


خدمات

 

الافتتاحية




لِتُونِسَ شَعْبٌ يَحْمِيهَا

الهاشمي نويرة
حَسَنًا فَعَلَ يوسف الشّاهد بِبَقائِه بعيدا عن «نداء تونس» ومشاكله التي لن تنتهي على مدى قريب ..
حَسَنًا فَعَلَ وهو رئيس الحُكومة الذي تتكدّس أمامه ملفّات حارقة بعضها مُزْمِنٌ وسَاهَمَ في الإطاحة بحكوماتٍ سابقة ...
وقرار الشّاهد النَّأْيَ بنفسه عن «النّداء» هو قرار صائبٌ وشُجاعٌ لجِهَةِ الضّغوطات الرّهيبة التّي قد تكون مُورست عليه من أجل تولّي منصب رئيس حزب «نداء تونس» وهو قرارٌ ـ لو صَحَّ ـ يُمكّنُ يوسف الشّاهد مِنْ ضرب عصفورين بحجرٍ واحدٍ، فهو يُحقّق أوّلا شَكْلاً من أشكالِ استمرارية الدولة والتزام حكومته بقرارات الحكومات السابقة خصوصا اذا اكتست هذه القرارات طابعا سياسيّا استراتيجيّا ومن ذلك قرار حكومة محمّد الغنّوشي بعد 14 جانفي 2011 بفصل الدولة عن الأحزاب، وقرار الشّاهد رَفْضَ ترؤّس «النّداء» يمكّنه ثانيا من التفرّغ لمُهمّته الأصليّة وهي ممارسة الحُكْمِ في أعلى منصب تنفيذي في الدولة بحسب ما يُقِرّه دستور البلاد.
وثالثا هو قرار يَسُدّ الطريق نهائيا أمام نوعين من البشر، فئة المتزلّفين والمتملّقين والانتهازيين والذين «يبيعون القِرْدَ ويَضْحَكُون على شَارِيهِ» والمُختصّين في صناعة المُسْتَبِدّينَ والذين لا ينتعشون إلاّ في مناخات الفاشية والاستبداد وغياب دولة القانون والمؤسّسات لأنّ جَوْهَرَ طُموحِهِمْ «غنائمي» وكُنْهَ نَشاطِهِم فَسَادٌ وتوريَةٌ على نَشَاطِ الفاسدين الذين تسلّلوا مباشرة وعن طريق آخرين الى مفاصل صناعة القرار في الدّولة.
وهو قرار من شأنه أن يسحب البساط من تحت أَقْدامِ طائفة في «قيادة» حزب «نداء تونس» تُريد من الحزب أن يكون مَطِيّة لتحقيق أهدافها وأهداف زَبَائِنِهَا، طائفة لا يهمّها شيء آخر غير الرّبح الآني الذي يمكن أن تجنيه من وضعيات الخراب والدمار الحزبي والسّياسي الذي تتّجِهُ البلاد إليه بخطى ثابتة و«دراماتيكية».
طائفة هَمُّها الوحيد تَحصينُ المَوَاقِعِ وتَحْصِيلُ المَنَافِعِ وتركيز السّلَطِ في أَيَادٍ لا يَهُمّها احترامُ دولة القانون ولا مؤسسَاتها، وانْجَاحُ مرحلة الانتقال الديمقراطي هو آخر اهتماماتها وإنقاذ البلاد والعباد ليس في أجندتها، دَيْدَنُهَا إبْتِزَازُ الوضع المتردّي الذي يُعاني مِنْهُ المَحْرُومُونَ من عُمومِ المواطنين الذين اسْتَبَدَّتْ بِهِمْ الفَاقَةُ والحَاجَةُ وأَخَذَ منهم الحِرْمَانُ والفَقرُ مَأْخَذَهُ.
طائفة يَأْبَى الكَلاَمُ أَنْ يَخُوضَ فيها ويَرْفُضُ القَلَمُ أَنْ يَخُطَّ سَطْرًا بِشَأْنِهَا ويتأفَّفُ الحِسُّ السّلِيمُ من الإشارة إليها ..
طائفة هي تجسيدٌ مُدَمِّرٌ لِفَسَادٍ عَلَى جَهْلٍ عَلَى غَبَاءٍ عَلَى انْتِهازِيَّة على «سَقْط مَتَاعٍ» أُبْتُليَتْ بها تونس وَوَجَدَتْ دَعَامَتَهَا في من يرعاهَا من كَهَنُوتِ السّياسة والايديولوجيا والفَسَادِ المالي والجَشَعِ والحِقْدِ، يرون فيها ومِنْ خِلاَلِها مُسْتَقْبَلَهُمْ ومَصْلَحَتَهُمْ ويستميتون في الدّفاع عَنْهَا وفي تَثْبِيتِ مَوَاقِعِهَا.
فمُنْذُ أن اسْتَفَاقَ النّاس على حِزْب «نداء تونس» والجَمَاعَةُ ذاتها تعيش عَلى وَقْعِ اقْتِسَامِ كَعْكَةِ المَوَاقِع في الحِزْبِ ثُمَّ في السّلْطَةِ ثُمِ في الحِزْبِ والسُّلْطَةِ مَعًا.
نَفْرٌ مِن «ساسَةٍ» جادت بِهَا عَلَيْنَا «ثورة» بِلاَ قِيَمٍ ولا بَرَامِجَ ولاَ رُوح تَرَى الفَرْدَ مِنْهُ يَنْقَضُّ على البَلَدِ وعلى آلامِ المُواطن يَنْهَشهما نَهْشًا غير عَابئٍ بأَصْلِ المَأْسَاةِ والدَّاءِ، نَهِمٌ جَشِعٌ حَاقِدٌ مَقِيتٌ رَكِيكٌ بَلِيدٌ نَتِنُ الفِكْرِ مُزْمِنُ المَرَضِ لا يَنْفع مَعَهُ دَوَاءٌ خَارِقٌ ولا طبيبٌ بَارِعٌ ..
طائِفةٌ مِنَ السّاسة قَدِمَتْ مِنْ رَحِمِ العُقَدِ المتراكمة على مدى عُقُودٍ مِنَ الزّمَنِ لَمْ تَنْهَلْ خِلاَلَهَا سوى الفَشَلَ الذي نَمِّى دَاخِلَها كميّة مُدمّرة من الحِقْدِ والرغْبَةِ في الثّأر على مَخْزون الذّكاء الذّي طَبَعَ الى الأَبَدِ شخصيّة وسُلُوكَ التّونسيّ.
طائفة لا يَهُمّها توازن المشهدين الحزبي والسّياسي ولا تَأْبَهُ لانْتِشالِ تونس من واقع الأزمة الذي زَادَ في منسوب الفقر لدى العامّة والخاصّة ولا هِي واعية بالمخاطر المُحدقة بالنموذج الحضاري التّونسي وهي مستعدّة لوضع يَدِها في أيدي كلّ من يَضْمَنُ لها مصلحتها وَلَوْ الى حِينٍ وهي فاقدة لكل المَلَكاتِ المعرفية والعلمية والسياسية التي تُخَوّل لها الرؤية أَبْعَدَ من قدميها، عَرْضُها في الوَحْلِ وسِتْرُهَا مَهْتُوكٌ وكلّ هذا لا يعني لها شيئا ما دامت في الحُكم أو هي قَابَ قوسين أو أدنى مِنْهُ ..
وتونس التي تُعاني هذا البَلاءَ المُسْتَفْحِلَ تَحْمَدُ اللّه أنّ أعداءها يتآكلون وتفتك بأجسادهم الخلافات والنّزاعات والتّقاتل وَهُمْ لِذَلِكَ على غَيرِ استعداد لاستغلال غباء جماعة «النّداء» ..
حَالُ «النّداء» كمِثْلِ حَالِ «النّهضة» كمِثْلِ حَالِ «الجبهة» كمثل حال باقي الأحزاب الوافدة طورا على المشهد الحزبي والغائبة أَطْوَارًا أخرى كمِثْل أولئك الذين جاؤوا من أقصى الصّحاري مدجّجين بالمَالِ وأشياء أخرى يبتغون «فتحًا مُبينا»، كُلّهم في حالة من وقف التنفيذ ينتظرون قرَارًا يُمْسِكُ بتلابيبه شعْبٌ قدَرُه الذّكاء وعَدَمُ الرّضوخِ وعِشْقُهُ للحياة كثيرا مَا دَمّرَ جحافِلَ لاَ تُعَدُّ من الانتهازيين والحاقدين والمرضى والمارقين عن حبّ هذا الوطن.