الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة


خدمات

 

الافتتاحية




الانتخابات البلدية وتعقيدات المشهد السياسي

منور مليتي

 تعد الانتخابات البلدية القادمة استحقاقا وطنيا بامتياز باعتبارها أول انتخابات يتطلع إليها التونسيون لتركيز مقومات الحكم المحلي والتخفيف من ثقل السلطة المركزية غير أن المشهد السياسي الحالي يبدو أنه لم يبدأ بعد في الاستعداد على الرغم من أن الموعد سيضع على المحك قدرة الأحزاب على التواصل مع الجهات بناء على برامج عملية تتفاعل مع مشاغل الناس بعيدا عن أي شكل من أشكال تحزيب الانتخابات.
يجب أولا الاقتناع بأن الانتخابات البلدية المزمع إجراؤها في مارس 2017 ليست انتخابات تشريعية ولا هي رئاسية وبمعنى آخر ليست انتخابات سياسية مباشرة بقدر ما هي استحقاق برامجي يهدف إلى تركيز مقومات الحكم المحلي وتفويض شعبي لأهالي الجهات كي يسوسون شؤونهم بأنفسهم بما يعزز المسار الديمقراطي الناشئ ويفتح المجال واسعا للكفاءات في الجهات للمشاركة في تنمية مناطقهم في إطار الخيارات الوطنية طبعا.
ويجب الاقتناع ثانيا بأن تركيز الحكم المحلي من خلال انتخابات حرة وشفافة ونزيهة يستوجب استعدادا ماديا ولوجستيا ولكن أيضا وهذا هو المهم استعدادا من قبل الأحزاب السياسية أن تتجرد ولو نسبيا من ضيق حساباتها والاستخفاف بتعقيدات المشهد السياسي التي زادته تعقيدا وتخوض الانتخابات بناء على برامج تنموية تلامس مشاغل الناس في الجهات حسب الخصوصيات إذ من الخطإ أن تنتهج الأحزاب نفس البرامج لكل الجهات.
وعلى الأحزاب السياسية أن تكون على وعي عميق لأن الانتخابات البلدية هي الوحيدة التي ستضع أداءها على المحك ومدى قدرتها على كسب تأييد الأهالي في الجهات ولا يمكن لها تحقيق الكسب إلا إذا ما تعاطت مع الاستحقاق على أنه بداية تركيز مقومات حكم محلي يعكس اهتمامات الناس ومشاغلهم، أما إذا ما خاضت الأحزاب الاستحقاق بصورة مماثلة للانتخابات التشريعية والرئاسية فإنها سترتكب جريمة في حق نفسها وفي حق التونسيين.
 لا أحد يطالب الأحزاب من التجرد من هويتها أو من توجهاتها العامة ولكن ما يجب أن تقتنع به الأحزاب أن الأزمات الداخلية التي غرقت فيها لم تزد المشهد السياسي سوى المزيد من التعقيد حتى أن ثقة التونسيين في أدائها تراجعت إلى الحضيض وهو ما يدعو فعلا إلى الرفع من أدائها ورسم مسافة بينها وبين تحزيب القضايا الوطنية إذ من غير المقبول التعاطي مع الشأن الوطني بناء على عقلية حزبية تقود في نهاية الأمر إلى إقصاء المواطن.
 ونعتقد أن تونس اليوم في حاجة إلى إطلاق حوار وطني حول الانتخابات البلدية والطرق الناجعة والكفيلة بإنجاز اللبنات الأولى للحكم المحلي الذي يعد أحد أهم مقومات التجارب الديمقراطية العريقة لأنه يفتح أمام المواطن في الجهات حق المشاركة الفعلية لا في تزكية حزب دون آخر وإنما في الاقتناع ببرامج عملية تساعد على حل المعضلات التنموية والسياسية التي تعاني منها الجهات بما من شأنه أن يساعد السلطة المركزية على تنفيذ السياسات العامة.
والمطلوب من الأحزاب ألا توجه الاستحقاق الانتخابي إلى غير وجهته أو تقوده إلى ما يشبه الانتخابات الحزبية، إذ أن ما يعني الناخبين لا هوية الحزب ولا حتى مشروعيته وإنما ما يعنيها هو القدرة على وضع تصورات وخطط تشخّص واقع الجهات وتقدم الحلول لمشاكل أنهكت أبناء الجهات.
وفي ظل مشهد سياسي متأزم مشدود إلى عقلية حزبية نفعية أكثر مما هو مشدود إلى أبجديات الوعي الوطني نخشى أن تبدأ أول تجربة للحكم المحلي على أساس نوع من التوزيع الغنائمي لخارطة البلدات ويتم تجويف الاستحقاق في وقت يطالب فيه أبناء الجهات بحقهم في إدارة شؤونهم لأنهم أكثر وعيا بها والأقدر على تشخيصها من غيرهم خاصة وأن مختلف مناطق البلاد تعج بالكفاءات ولكنها كفاءات مهمشة اجتماعيا وسياسيا.
تظهر المتابعة لاتجاهات الرأي العام أن التونسيين بلغوا من الوعي السياسي ما جعلهم يطالبون بالتخفيف من مركزية القرار السياسي والإداري وإسقاطه على الجهات ما جعلهم يطالبون بحقهم في إدارة الشأن العام وهي مطالبة مشروعة لا تعني في نهاية الأمر سوى تركيز مؤسسات حكم محلي ناجعة.
أما إذا تمسكت الأحزاب بوضعها الحالي الذي لا يعكس عمق التجربة التونسية على امتداد تاريخها فإنها ستنزلق في أداء حزبي لا يعني المواطن في شيء الأمر الذي يستدعي ومن الآن وضع مقاربات برامجية تتنوع بتنوع مشكلات كل جهة بعيدا عن الخطاب السياسي الأجوف الذي يمقته التونسيون.