الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة


خدمات

 

الافتتاحية




تونس البلد الذّي شَغَلَ الدّنيا !

الهاشمي نويرة
ذات يوم وأنا أُتابع مع صديقي سليم اللّغماني محاضرة للمفكّر المغربي محمّد عابد الجابري حول «تجديد الفكر العربي» قال لي : «شيء ما بِدَاخِلي يَدفَعُني الى القول بأنّ حالة البهتة و«الفراغ» الفكريين التّي تُخيّم على العالم، حَلُّهَا قد يأتي من الجنوب من تونس تحديدا»، حدث هذا بداية التّسعينات وكان اللّغماني حينها مَهْوُوسًا بإشْكَالِيّةٍ فكريّةٍ كُبرى تتمحور حول سؤال جوهري : هل مِنَ المُمْكِنِ تَصَوُّر وضعيّة وسطى بين اللائيكية والاسلام ؟!
أَذْكُرُ أنّي سجّلت لنفسي هذا الانطباع الحدسي لصديق غَمَرَته الأفكارُ وكَادَ يُطيحُ به غَبَاءُ البعض والانزواء ..
تونس اليوم بدأت تتوفّر فيها الشروط الموضوعية لإعادة التأسيس لِفِكْرٍ من شأنه أن يُثْرِي تجربة الانسان بعامة وقَدْ يَسُدّ الفراغ والهوّة الفكريّة التّي تَرَدَّتْ إليها الانسانيّة جرّاء طُغيان منطق الرّبح وتدهور قيمة العمل وتراجع منسوب الأخلاق مَهْمَا كَانَ مأتاها مقابل تنامي كلّ أشكال الانتهازية والفساد ...
وتُفيد المؤشّرات على الارض بأنّ تونس عرفت خلال أقلّ من سِتّ سنوات أحداثا ووضعيات استثنائية ومتنّوعة تكفي لِتَأثيث قَرْنٍ من الزّمان، عرفت تونس سقوط نظام سياسي في جانفي 2011 ثُمّ حكومة برئاسة محمّد الغنّوشي الذّي كان زَاهِدًا في الحُكْمِ الى درجة أنّه وَضَعَ حجر الأساس لتقويض سلطة الدولة من خلال سنّ عَفْوٍ تشريعي عام غير مدروس ومتسرّع والخضوع غير المبرّر لابتزاز بعض الأطراف السياسية والحزبية والجمعياتية، ثمّ جاءت حكومة الباجي قايد السّبسي التّي تصرّفت في الميراث المادي والمعنوي لتونس بدون حسيب ولا رقيب ثمّ سلّمت أمر البلاد والعباد لحُكْمِ «الترويكا» وفي ظلّ هذا الحُكْمِ أُصيبت تونس بنوع من «الشيزوفرينيا» وتاه المواطن فيه بين الدولة النظامية والدولة الموازية وبين الأمن النظامي و«الأمن الموازي» و«أَمْنِ» روابط حماية «الثورة» و«أَمْنِ» جماعات «الأمن بالمعروف والنهي عن المُنكرِ» و«الأمن» السّلفي،
تونس عرفت ايضا تحت حُكْمِ «الترويكا» محاولات جدّية لتغيير نموذج المجتمع التونسي وهي محاولات لاقت معارضة مدنية وشعبية متعددة الأنماط والأشكال وانتهت الى اخراج «الترويكا» من الحُكْمِ على مرحلتين.
تونس عرفت كذلك حكومة تكنوقراط بوجود حزبي  وسياسي خَلْفِي ومُسَانِدٍ ثُمّ حكومة بائتلاف رباعي جمع الأصدقاء والأعداء بعد مصالحة فلقاء فتحالف فزيجة ضدّ طبيعة الأشياء بين الشيخ العلماني (الذّي بدأ «يرجع الى ربّه») والشيخ الاسلامي (الذي يريد ولاسباب تكتيكية ومناوراتية «نسيان ربّه»).
تحالف كان عنوانه الأوّل الحبيب الصيد ليؤول الأمر بعد ذلك الى يوسف الشّاهد وللشيخين الأمر مِنْ قبل ومِنْ بَعْد !!
عرفت تونس كلّ هذه الأحداث السياسيّة ... وعرفت أحداثا أخرى وظواهر لا تقلّ أهمية ومنها بعض النقاط المضيئة كطفرة حريّة الاعلام والتعبير وانفلات الاحتجاجات وتضخّم العمل النقابي المشروع وغير المشروع وارتفاع سقف طلبات وأحلام المواطن في مقابل ازدياد حدّة الفقر والخصاصة.
تونس عرفت كلّ هذا في أقلّ من ستّ سنوات، وهذا إضافة الى أَشْكَالٍ عدّة من الانتقال الديمقراطي وتسليم وتسلّم السلطة ... ونوبل للسلام وما أدراك التي جاءت تكريما لتونس.
ولعلّ ما ميّز جلّ هذه الأحداث والمتغيّرات هي الفجئية والعجلة التّي تمّت بها ومن ذلك الوقت القياسي الذي رافق عمليّة نَقْل السّلطة الى يوسف الشّاهد ...
غدا الاثنين تعيش تونس حدثا هو الآخر إستثنائي يتمثل في عمليّة تسليم وتسلم السلطة بين الصّيد والشّاهد ..
حكومة تصريف الأعمال قدّرت أنّه من الأجدى توثيق نشاطها وتقييم مدى تعهدها بالتزاماتها أمام مجلس نواب الشعب والتونسيين عُموما ومدى احترامها وتطبيقها لمقتضيات الدستور التونسي الجديد، وانّ في توثيق عملية التسليم بحسب الحبيب الصّيد الذّي أكّد «أنّ تكريس استمرارية الدولة وخاصة في ظلّ سياقات الانتقال الديمقراطي وبناء الجمهورية يمرّ عبر تركيز هذه التقاليد ليس فقط في الانتقال السّلس للسلطة وإنّما أيضا لِحَاصِلِ خبرتها ومحاولاتها السابقة من أجل خدمة الوطن والمواطنين».
وهذا الحدث يُعطي «لِقَيْصَر بعض ما لقَيْصَر» لأنّه يرفع بعض الغُبـْنِ عن حكومة الصّيد لكنّه لا يرفَع عنها الحرج بالكامِل إلاّ اذا كشفت لعموم المواطنين حَجْمَ التّركة التّي ورثتها عن الحكومات التي سبقتها مثلما فَعَلَ الشاهد الذي ركز فقط على مؤشّرات وأرقام 2016 الخاصّة بفترة حكومة الصّيد التّي عَمِلَ بها.
وبالعودة الى ما بدأنا بالحديث عنه فإنّ تكثّف المؤشّرات والاحداث والمتغيّرات يستوجب استخلاصات فكريّة تنتظر من يطرق بابها.
إنّ المفكّر والمثقف والعالم عندنا غرق في تفاصيل الواقع ونَسِيَ مهمّته الأصليّة وهي فَهْمُ ما جرى وإفْهَامُ النّاس ما جرى ويجري عَلّ في عملهم هذا ما يدفع أحدهم أو جلّهم اضافة لَبِنَةٍ الى الفكر الانساني بعامّة لأنّ البوصلة التي يجب أن تعدّل أوتار تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحضارية هي الفِكْرُ أو العَقْلُ ..
انّ ما عاشته تونس من أفراحٍ وأترَاحٍ ومن أحداث وظواهر إستثنائية قد لا يمثّل مطلقا مادّة للاستفادة ولمراكمة التّجارب اذا لَمْ يَخْضَعْ لعقل وفكر متجرّد ومتعالٍ عن تفاصيل الحياة، عَقْلٌ قادِرٌ على التأسيس لرؤية جديدة وأخلاق جديدة وسياسة جديدة وعقد اقتصادي واجتماعي وسياسي وجمهوري جديد ...
تونس تحتاج اليوم الى جيل جديد من المؤسسين القادرين على ملء الفراغات الفكرية والسياسية والاخلاقية .. تونس تحتاج ذلك .. وتونس ولاّدة ..