أعلام
علي بوشوشة: نموذج للمثقف العصري
ان لم تنجب مدينة بنزرت صحفا باللغة العربية خلال الاستعمار فانها انجبت علي بوشوشة الذي ولد بها عام 1859.ويمثل بوشوشة نموذجا للمثقف التونسي العصري الذي عاش في النصف الثاني من القرن الماضي.فقد درس في الزيتونة كما درس في الصادقية.وواصل دراسته في انقلترا مدة ثلاث سنوات فتعرف على الحياة الغربية ولكنه تردد على تركيا مركز الخلافة الاسلامية.وتعلم الفرنسية ولكنه تعلم ايضا التركية الى جانب العربية.وجرب مهنة الوظيفة كمترجم في الادارة.ولكنه انقطع بعد ذلك للارتزاق من الفلاحة اذ كانت له ضيعة زراعية في عين عسكر.ولعل هذه السمات هي التي جعلت النخبة التونسية تلتف حوله لاصدار اول جريدة اصلاحية تونسية بعد جريدة الرائد التي تصدرها الحكومة.
وكان نشاط علي بشوشة الصحفي جزءا من حركيته الاجتماعية المكثفة اذ كان عضوا في الهيئة المديرة للجمعية الخلدونية وفي جمعية احباء الاشجار وجمعية الانصارين الفلاحية والجمعية الجغرافية.فلا غرابة من ان تعكس جريدة الحاضرة هذه الحركية الاجتماعية لصاحب امتيازها ومديرها علي بوشوشة.
وقد انطلقت فكرة انشاء جريدة«الحاضرة» على اسس ثابتة وقانونية بالرغم من كونها التجربة الصحفية الثالثة بعد «الرائد التونسي» و«نتائج الاخبار» واتفق مؤسسو الجريدة على انشاء شركة مساهمة بموجب عقد قانوني لاصدار «الحاضرة».وينص العقد على ان يدفع كل واحد من المؤسسين مبلغ عشرين فرنكا شهريا حتى تحقق الجريدة اكتفاءها الالي.كما ينص العقد على تكوين لجنة ادارية تضم مدير الجريدة ومراقبين ماليين واربعة اعضاء من المؤسسين.
وعلى هذا الاساس ساهم 17 شخصا في انشاء الجريدة من ابرزهم البشير صفر واحمد سقا وخليل بوحاجب ومحمد بلخوجة.وتحصل علي بوشوشة على امتياز الجريدة واصبح مديرا لها.وعلى هذا الاساس انطلقت«الحاضرة» في الصدور منذ يوم الخميس 2 اوت 1888.
وجمعت«الحاضرة» ضمن مؤسسيها ومحرريها مجموعة من المثقفين تباين تكوينهم بين زيتونيين وصادقيين وتنوعت ثقافتهم بين ثقافة اسلامية اصيلة وثقافة علمية حديثة.وكان اغلب محرري الرائد من الموظفين ولكن السلطة لم تضغط عليهم حتى تكسب الجريدة انصارا كانوا يقبلون على مطالعة الصحف التركية.
وهكذا جاءت المقالات الواردة في الحاضرة لتبرز دور العلوم الحديثة في رقي اوروبا من ناحية ولتبرز ضرورة تلاحم المسلمين للمحافظة على الهوية العربية الاسلامية لتونس.وبقدر ما عملت على تطوير التونسي حتى يواكب عصره واهتمت الحاضرة بالتراث والتاريخ بقدر ما اهتمت بتعصير التعليم وتعريف القارئ التونسي بالحضارة الاوروبية.ولم تناهض«الحاضرة» سلطة الحماية على المستوى السياسي ولكنها عملت ثقافيا على اثبات الهوية الثقافية التونسية وحمايتها من الذوبان.وهكذا تمكنت الحاضرة باشراف علي بوشوشة ان تصمد في صدورها بفضل تنظيمها المحكم ومحرريها البارزين ومواقفها الاصلاحية المعتدلة.
وبالرغم من هذا الاعتدال فقد تعرضت« الحاضرة» للتعطيل لمدة خمسة عشر يوما عام 1897 عندما ناصرت تركيا في حربها مع اليونان.واصبحت بعد ذلك تخضع للمراقبة.كما منع دخول الحاضرة للجزائر من 17 نوفمبر 1897 حتى 10 سبتمبر 1898.وتعرضت الحاضرة عام 1897 ايضا الى هزة عندما قررت السلطة اعادة العمل بالضمان المالي الخاص باصدار الصحف.واتضح من خلال مراسلات علي بوشوشة مع ادارة الحماية ان جريدة الحاضرة تتحصل سنويا على منحة بألف فرنك.وبما ان الضمان المالي المطلوب يساوي ستة الاف فرنك فقد طلب بوشوشة من المقيم العام تسبقة في المنحة الحكومية لمدة ستة سنوات حتى تتمكن ادارة الجريدة من دفع الضمان المالي المطلوب. ولم يوافق المقيم العام على هذا الطلب،ولكن بوشوشة وجد صيغة مع الادارة لدفع الضمان المالي وهكذا تمكنت جريدة الحاضرة من اجتياز العقبات التي مرت بها.
وزادت هذه المؤسسة الصحفية في احكام تنظيمها في جوان 1900 عندما قرر المؤسسون منح علي بوشوشة مائتي فرنك شهريا مقابل ادارته للجريدة بعد ان كان يعمل بصفة مجانية.كما قرروا تكوين هيئة تحرير تتألف من البشير صفر ومحمد بلخوجة وتعيين محاسب للجريدة.وعندما انتهى العمل بالضمان المالي عام 1904،ظهرت صحف عربية جديدة لمزاحمة الحاضرة التي كانت تحتكر السوق منذ عام 1897.وبالرغم من هذه الوضعية الجديدة واصل علي بوشوشة اصدار الجريدة حتى توقفت نهائيا مع الصحف العربية الاخرى منذ 7 نوفمبر 1911 من جراء احداث الجلاز.وبآختفاء جريدة الحاضرة،طويت صفحة هامة من تاريخ الصحافة التونسية.ولم يعمر علي بوشوشة بعد اختفاء جريدته طويلا اذ توفي في 18 اوت 1917 في خضم الحرب العالمية الاولى التي كانت منطلقا لصفحة جديدة في تاريخ الصحافة.
عن كتاب«أعلام الاعلام في تونس» للدكتور محمد حمدان