الاربعاء 27 أوت 2008

على شاشة مهرجان قرطاج الدولي شريط «اعتبروني مذنبا» لسيدناي لوميث
كوميديا بوليسية من سجلات المحاكم الامريكية
عرض ليلة الاحد بفضاء مسرح قرطاج الاثري الشريط الامريكي «اعتبروني مجرما» ودامت مدة عرض الشريط حوالي الساعتين وهو من نوع الكوميديا البوليسية ومن انتاج سنة 2006 ومن اخراج «سيدناي لوميث» وبطولة فين ديازال وسيتر دبينلاج وآنييلا سكيورا وقد حضر العرض جمهور متوسط ويبدو أن برودة الطقس قد اثرت على الاقبال الجماهيري وينتمي هذا الشريط الى ابرز أعمال المدونة السينمائية الامريكية ويعد ذو توجه خاص في نزعته وتصوره، وعلى الرغم من طابعه البوليسي المستمد من سجلات المحاكم الامريكية خلال السبعينات إلا أن مضمونه يتجاوز هذه النوعية ليغوص في اعماق الذات الانسانية بأدق تفاصيلها ليعكس فلسفة المخرج الخاصة ونظرته النسبية الى الحقائق المطلقة.
ومثلما هو معلوم فان هذا الشريط يعد أحد أهم أعمال المخرج «لوميث» والتي تميزت أفلامه باستنادها الى ملفات المحاكم الامريكية ومن بينها «المحاكمة» و«12 رجلا غاضبا» و«محامي الشيطان» الذي ابدع «آلباتشينو» في تجسيده لملامح شخصيته المحورية.
يروي الشريط تفاصيل محاكمة أعضاء مافيا عائلة «ادي نوريستو وجيوكو) والذي ضمت ترسانة من المحامين والقضاة بمن فيهم المعوضون حتى يتم مجابهة نفوذ رجال المافيا الايطالية وتأثيرهم على سير العدالة.
ويبدأ الشريط بجينيريك كتب عليه أنه يروي أطول محاكمة في التاريخ الأمريكي ليضع المشاهد في الاطار العام للأحداث.
وفي تصور عميق للعبة المصالح وثنائية القبل والخيانة ينطلق المخرج في تصوير الملامح العامة لشخصيته المحورية والتي ركز عليها بشكل أساسي في هذا العمل، وهي شخصية «جاكي» أو«جياكومو» أو«جاكي دي نوريسو» أحد أعضاء المافيا والمحكوم عليه بالسجن لمدة 30 عاما... التخفيض في عقوبته مقابل إدلائه بشهادة ضد عائلته.
ويبرز هذا الفيلم احساس «جياكومو» بالملل من وطأة روتين بيروقراطية النظام الجبائي ورفضه لخيانة عائلته فيقدر في نهاية المطاف أن يذهب الى قاعة المحكمة كمحامي ومتهم في نفس الوقت معتمدا على بلاغته ورؤيته وموقفه من الوضع الذي وجد نفسه فيه.
وفي أحد أكثر مشاهد الشريط قوة وجرأة يؤكد «جاكي» انه ليس مجرما ولكنه رجل ظريف وصاحب نكته في حركة ذكية منه لتجاوز تعقيدات المحاكمة واحتواء شحنة هيبتها ووقارها.
وتصور كاميرا المخرج أجواء المحاكمة المشحونة بالنظر الى طبيعة القضية الخطيرة التي تبت فيها المحكمة خاصة خلال السبعينات، وتركز على الممثل المحوري الذي هيمن حضوره على بقية الشخصيات قضاة ومتهمين فبدوا في الشريط كمتممات لديكور الاحداث.
الممثل الأمريكي «فين ديازال» جسد دور البطولة ورغم انه يعد ممثل حركة بالأساس وعرف في هذا اللون تحديدا فانه نجح الى حد ما في تجسيد تفاصيل الدور الصعب الذي قدمه والذي يراوح بين التراجيديا والكوميديا وقد كان أحرى بالمخرج اسناد هذا الدور الى بطل شريطه «محامي الشيطان» الممثل آلباتشينو.
وشيئا فشيئا يغوص المخرج بالمتفرج في أعماق الاحداث فيسلط الاضواء على الكاريزما التي يتمتع بها «جياكو مو» المتهم ولسان الدفاع في نفس الوقت الأمر الذي يؤهله لأن يصبح نجما حقيقيا في فضاء قاعة المحكمة. وما بين الطرافة والتراجيديا يرتفع نسق الحوار بين المتهم المحامي والقاضي.
شريط «اعتبروني مجرما» اعتمد على البطل المحوري «المجرم» النبيل صاحب القلب الكبير الوفي والذي يتمتع بقدر كبير من الطرافة والظرف رغم صعوبة موقفه وسوء الوضع الذي وجد نفسه فيه، فدافع عن نفسه استنادا الى قناعاته ومنطقه ورؤيته لمعاني الخير والشر والأخلاق والذنب.
هذا الشريط يثير العديد من الاسئلة والاشكاليات فيزرع في دواخلنا هواجس كثيرة كدور العدالة في تحقيق العدل واستجابتها لمعايير الخير بعيدا عن نزق المصالح.
كما يطرح هذا الشريط بذكاء كبير مثل هذه الهواجس وغيرها فيوغل في طرحها على مدى المساحة الزمنية للمحاكمة دون ان يقدم اجابات او بدائل ودون أن ينطق بالحكم الذي يبرئ او يدين بطل شريطه في خضم محاكمة عسيرة ضمت كل أعضاء المافيا الايطالية بنيوجرزي».
ويرمي مخرج الشريط في نهاية المطاف الكرة للمتفرج ليحمله مسؤولية الحكم ويضع بين يديه ميزان العدل والعدالة.
الشريط جيد في فكرته، واعتمد أساسا على الحوار فيما حافظ من ناحية أخرى على الديكور الحقيقي للأحداث واتقن في جانب اللباس الخاص بالسبعينات.
الا أن مسألة التحكم في التسلسل الزمني للاحداث كانت إحدى الهنات في الشريط، ورغم ان محاولة تفادي هذه الهنة قد بدت واضحة في بعض مواضع الشريط الا أن تقيد المخرج بتفاصيل الاحداث الواقعية وطول المحاكمة وامتدادها على مدى سنتين ونقلها سينمائيا جعل المتفرج يشعر احيانا بأن مسألة الزمن لم تقع ترجمتها كما ينبغي على الشاشة بل تم تجاوزها في العديد من الاحيان.
الا أن جمالية الحوار وعمقه كانت احدى اهم نقاط قوة هذا العمل.
شريط «اعتبروني مجرما» يظل من أهم الافلام التي انتجت خلال السنوات الثلاث الاخيرة وليست اهميته بالتأكيد من واقعيته وخيارات مخرجه باعتبار انتماء هذا الشريط الى مدونة الأعمال الجيدة التي انجزها والتي تعكس هاجس الرابط بين السلطة والقانون والاخلاق.
«اعتبروني مجرما» مثل بالتأكيد لمن تابع أعمال هذا المخرج مجالا جديدا لمراجعة عدة مفاهيم مطلقة على غرار البراءة والذنب والحق والواجب والأخلاق والعدل.

جميلة


البريد الإلكتروني : contact@essahafa.info.tn