الجمعة 30 جويلية 2010

رفّة جناح
داخل الكلمات وخارجها
بقلم: يوسف رزوقة
لعلّ الإيقاع المتسارع لحياتنا هوما يميّز أو يعيب عصرنا هذا.
لعل الضجيج أوالتلوث بألوانه هوبعض من أكثر المنغصات شيوعا وذيوعا، في مطلع هذه الألفية الثالثة....
أما كيف ندرأ بعض هذه المنغصات عن مجرى اهتمامنا اللحظي بها وكيف نحقق التوازن في خضم هذا الإيقاع المختل ؟ فإن ذلك من أعسر المهمات العالقة ذات الاهتمام المشترك بين الشاعر وقارئه وهي من أيسرها في آن.
يكفي مثلا – ونحن في الخارج، أن نعيش اللحظة في مختلف تداعياتها وإفرازاتها- أن نهرب إلى الداخل، بمحض إرادتنا وإحساسنا بضرورة تحقيق ذلك: إجراء وسيطرة على الأفعال، الحركات، السكنات، على المكان وعلى الزمان.
أي أن نهرب إلى دواخلنا بمسؤولية القائم بالحركة الوظيفية اللازمة للخروج من أنفسنا المنقبضة إلى فضاء أرحب وهذا الفضاء رمزي بالضرورة، قد يتجسد تحققا على أرض الحقيقة عبر الافتراض في عديد الأشكال المؤيقنة هي من صنع مخيالنا الراهن حيث «العلبة السوداء» : إطارنا المرجعي، ذاكرتنا الفردية أوالجمعية ومقامنا الثقافي المخصوص.
.. كيف يتحقق ذلك واقعا / رمزا ؟
يتحقق أيضا بالارتماء افتراضا في فضاءات قد تبدو، تعيينا وإحصاء، هندسية (دوائر، مكعبات، مثلثات، مربعات، مستطيلات، إلى غير ذلك...) .. نفترضها أوعية عازلة بالإقصاء لشتى ضروب التلوث والإزعاج، مثلا:
ما الذي يمنع إنسان «القرية الكونية» وهويتحرك في ذروة الزحام، مساء السبت في المدينة من أن يتحاشى كل إحساس بالضغط النفسي الخانق جراء ذلك الزحام؟
ألا يمكنه افتراضا أن ينصب لنفسه في رأسه خيمة وهو في غمرة ذلك الزحام، يتربع فيها، بحيث يعزل عالمه الخارجي المتحرك – وهو فيه- داخل نفسه الساكنة ... فلا يتناهى من ثمة إلى سمعه أي صوت أو صداه إلا بإذن منه متى أراد ذلك وحتى لا تستقيل الذات، ذاته، بالكامل من شرط تلازم البداهة وهي ركن من أركان الحضور مع واجب التنازل – تكيفا، لا اضطرارا- في أوركسترا الواقع وتبعاته الناجمة.
وما الذي يمنع إنسان «القرية الكونية» وهو في أوج الإصغاء إلى درس في الإلغاء (إلغاء الآخر أوالرأي المخالف...) من أن يخرج – وهويراوح في مكانه- إلى الهواء الطلق : طلق الوجه والإحساس كي يندس، على النحوالذي يرى، في قطرة ندى، لم تزدها زقزقة العصفور المتمركز على قيد زهرتين منها إلا ارتعاشا لذيذا وامتلاء بقدسية الفراغ.
ما الذي يمنع إنسان «القرية الكونية» من أن يختبئ في فكرة أوفي نقطة لا يأتيها الباطل وما إليه من داخلها ولا من خارجها، خصوصا متى أحكم تسييجها بالأسلاك الشائكة.
وما هذه الأسلاك في واقع النص إلا يوغا الكلمات : مبتغى الشاعر الذي يهمه الآن وغدا أن يخلص الإنسان من حربه المدمرة مع نفسه ومن قزميته في عصره، أمام مراياه المتعاكسة ومن إرثه القطيعي، الثقيل.
أليس الشعراء في نقطة ما، هم منقذو البشرية من سوء مصائرها، المنمطة والمعلبة؟ عبر مداومة التطلع إلى المختلف والتموقع خارج المؤتلف وطمأنينة القطيع : عصفا بما تآكل من مرجعيات؟



البريد الإلكتروني : contact@essahafa.info.tn